مزنة صيف عابرة , تمطركم بخجل , !

شهر في الوطن ..


النفس خاوية كالمقبرة ..
وشمس الأصيل تضرب القبور الفارغة, فيتلاشى السراب في الساحات الواسعة ..
الموت يسري مع الهواء .. فهو الأعظم وجودا .. والأكثر هدوءا ,, والأقدر على الإقناع ..
هو هذا الشبح الذي عاش معنا 50 سنة .. فأصبح واحدا منا, نكرمه ونبتسم له ..
أصبحنا نتنفسه ونعيش به .. ونحييه عندما نراه ..
بل ونحبه ونفضله على غيره ..
فالموت ابن للشام,
كما التاريخ ..

أطفال في سهل حوران يلاعبون الموت ..
فيختبئ منهم .. فقد أمسكهم في الدورة الأولى ..
لكنهم استطاعوا الهرب ..
والآن دوره ليهرب منهم ,
فخطرت ببال أحدهم فكرة لذيذة طفولية بريئة مشاكسة ..
” لنرسم على الجدار, “
” وماذا نرسم؟ ”
” أسمع كلمة تتردد كثيرا, الشعب يريد إسقاط النظام “
” لطيف ”
الموت يحذرهم,
فيقولون له: لا تكن جبانا, فإما أن تأتي معنا, أو أن تتركنا ..
ففضل الاختباء على أحد شواهد القبور ..

رسم الأطفال ما اتفقوا عليه ..
لكنهم ويا لحظهم العاثر .. لم يرسموا رسما طفوليا فحسب ..
بل رسموا معه التاريخ ..
والتاريخ ثقيل .. والأطفال صغار ,
فما استطاعوا حمله,

طارت حمامة بيضاء, وحطت على سور الجريمة, وندت من عينها الصغيرة دمعتان ذهبيتان,
فقد كان الحائط كحائط المبكى ..
به بدأت أحد جرائم العصر .. اغتيلت الطفولة ..
لا بالموت, بل بالذل .. والذل نقيض الموت ..
وبالظلم أيضا , والظلم عدو الموت ..
خرج الأطفال رجالا, وأخبروا الموت بما رأوه وهم يبكون ..
فبكى معهم ..
سرت في الجو غمامة سوداء .. كانت وعدا ووعيدا .
جنة وجحيما ..

ومنها بدأ آخر فصول القصة الطويلة ..
قصة بدأت قبل خمسين عاما ..
وأخيرا قررنا إنهاءها ..
وهاكم الفصل الأخير ..

سرت الغمامة في السماء كحلم بائس ..
حلم اجتاح المواطنين البائسين .. فأيقظهم من واقعهم ..
أين نعيش؟ لماذا نعيش هكذا؟ كيف وصلنا إلى هنا؟ من نحن؟
فقرروا اختيار منتصف شهر مارس ..
فبه تكون الشمس بدراً ..
والربيع يتأهب للوصول ..
ونسيم حرية غربي يعجل هذا الربيع ..
رائحته بخور فرعوني , ولحم محترق .

حزن الشعب على الموت ..
فهو في النهاية أخوهم الذي لم يخنهم, والذي حاول ألا يضرهم ما استطاع ..
ولكنه هكذا .. ثقيل الظل, سريع الانفعال .. والندم ..
فاستيقظت إنسانيتهم , بمعنى استيقظت حريتهم , بمعنى استيقظت إرداتهم ..
ابتسم الموت , وشمر التاريخ عن ساعديه ..

بكى الموت مجددا لما رأى الجموع المنتفضة ,
فأزال بدمعه بعض الران المتراكم على زهرة بيضاء ..
قد كبرت وأينعت منذ حادثة المبكى ..
رائحتها منوّمة شهيّة ..
والندى الأحمر الذي عليها مغرٍ
فلا تستطيع إلا حفظها والاعتناء بها ..

سرت رائحة الزهرة وبذورها مع طل صباحي خفيف ..
من الجنوب إلى الشمال ..
فرأى الشعب في المنام أن هذه الزهرة ستنبت في كل مدينة لديهم إن هم سقوها ورعوها وحافظوا عليها,
كما كانوا يفعلون قبل 50 سنة كما تقول الأساطير ..
فأجمعوا على حفظها ورعايتها ..
فخرجوا جميعا, لهدف واحد ومطلب واحد,
لا يرون سواه ..

بذرة البحر من هذه البذور قد أتى عليها المدّ ..
فخاف البحريون أن يسحبها البحر ..
فاستعانوا مجددا بالموت .. عله يرد لهم بعض الجميل ..
فأعادها لهم .. لكنه كان قد احتاج بعض المساعدة من بعض الرجال,

وسرت بذرة صحراوية خافوا عليها من الكثبان ..
وبذرة خافوا عليها السقوط في النهر ..
وبذرة خافوا عليها الضياع تحت الجبل العظيم,
وكانوا في كل مرة يستعينون بالموت .. لكنه لا يفعل شيئا وحده ..
فلا بد من التضحيات ..

هي قصة طويلة يروي فصولها :
صمود وكرامة وشهداء وإصرار ..
ويكتب حروفها شعب قد عشق هذه الزهرة
ويعيش بطولتها , الموت , والشهداء ..
لتنتهي بأفول الأصنام, والبدء بعصر جديد مزهر بالجوري الدمشقي ..
برائحة الدم والدمع ..

Advertisements

One response

  1. فاطمة دمرجي

    وحده الذي أنطق هؤلاء الأطفال قادر على أن ينهي هذه القصة بفصولها وحروفها وبطولتها ونهايتها التي سترسم الكثير من الابتسامات للعالم أجمع
    أسلوب مذهل ~~

    2011/06/08 عند 1:36 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s