مزنة صيف عابرة , تمطركم بخجل , !

Posts tagged “إسلام

أوديسّة الحج .. !


هناك , وفي غابر الأزمان ..
عندما اهتدى الشاب إبراهيم .. وأعلنها حنيفية خالصة ,
وعندما ترك هاجر وإسماعيل في وادٍ غيْر ذي زرْع ..
ثم عاد إليهما ,
ليرفع هو واسماعيل قواعد البيت .. وينادي في الناس ,
ينادي بهم للحج , للبيت الحرام , للحنيفية ..

——————

لا أعلم ,,
لكنني ما شعرت بالحج كما شعرت في العمرة , ولا كما شعرت في رمضان ..
كان إحساسا مختلفاً , وأقل روحانيّة ..
لكنني الآن أعلم أن ما شعرت به كان طبيعياً ..
فالحج أكبر من لحظة وموقف ,
الحج تجربة محوريّة ..
الحج رحلة صوفيّة , على طريق الآباء والأجداد ..
الحج حقاً , أوديسّة ..*

——————

هنا يجتمع المسلمون من كل مكان ,,
هنا سنفعل جميعا الشيء نفسه ,,
جميعا ,, المسلمون من إبراهيم إلى يوم القيامة ,
كلنا , دين واحد ورب واحد ,, وفعل واحد ..

——————

إن كان إبراهيم قد بنى البيت بمكة ,
فإن المدينة قد نوّرها الرسول ..
هنا كانت أول محطّاتنا ,
وهنا حقاً كانت أجمل اللحظات ..
المدينة ,
اسم آخر أطلق على السكينة , أو على الطمأنينة ,,
أتاني خاطر بأن أترك الحج وأبقى في المدينة ,, !
حيث تقف تحت القبة الخضراء خجلاً ,
لا تدري ما تقول أو تفعل ,
أتبكي , أم تسلم , أم تبتسم , ؟
لست جديرا بهذه الوقفة أساساً .. !
ثم تسلّم , ويردّ عليك السلام ,
حقا إنه يحبّنا , ونحن نحبّه .. ونسأل الله أن نحشر معه ,,

——————

منى ,
هي أرض البياض , أرض البياض المطلق ..
لست أدري إن كانت صدفة أن تكون الخيم بيضاء , لكنه اختيار موفق ..
الخيم البيضاء , والملابس البيضاء , والقلوب البيضاء , والصحائف البيضاء ..
ونحن أطفال كانوا يفسرون لنا زرقة السماء لانعكاسها عن البحار , والبحار أكثر المسطحات انتشارا ..
في منى ,,
السماء كذلك بيضاء , لانعكاسها عن هذا البياض ,
وللبياض القادم منها كذلك ..

——————

عرفة ..
حيث الرحمة , المباهاة , الأيدي المرفوعة , العيون السيّالة ..
لا أذكر عرفة جيّداً , كان يوماً حاراً وصعباً ,
لكنه – والله – ما كان عاديّا ..
النسمات كانت نقيّة , والسماء كانت مليئة ..
والقلب ألقى كل ما لديْه ,
ليعود قلب طفل رضيع ,,

——————

مزدلفة ..
في مزدلفة شعرت بالقداسة ,
فهنا المشعر الحرام , ومن هذه الأرض يرجم الشيطان ..
فلا يجب أن يطيل الإنسان بقاؤه هنا ..
فهذه الأرض مقدّسة ,,
مقدسّة بمشيئة الإله ..

——————

أكثر ما أثار تساؤلي , وشعرته غريباً بصراحة , هو الرجم ,,
وقفت عنده وقفة تفكّر ..
وقفة ” ولكن ليطمئن قلبي ” ,,
أليست هذه كلمة مؤذن الحجّ؟

نحن نرمي حجارة على حجارة , في وقت معيّن ,
هنا نرجم شيئاً يمثّل الشيطان ..
نرجم شيئاً يعكس خطايانا ونقائصنا ,,
هنا نعبّر عن حقدنا لكل ما كرهناه , أو ندمنا عليه ..
ولكن في النهاية , هذا رمز فقط ,
الشيطان ليس هنا , ونحن نعلم هذا ..
لكننا نرجم ونرجم ونرجم ,, في ثلاث أماكن مختلفة ,
ونكرره في ثلاثة أيام أو أربعة ..
وفي النهاية , أيؤثر هذا بنا ؟
نعم ,
إنه لمن الجيد أن تتخلص من خطاياك وأحقادك بهذه الصورة ,
أن ترجمها رجماً .. أن تتخلص منها , وتلقيها على شكل حجارة ..
فهذه أيضاً بداية جديدة , ونفسية جديدة , مع الصحيفة الجديدة ..

——————

ثم نسير قليلاً بعد مكان الرجم ,
لنصل لبيت الله , للكعبة ,,
البيت الحجري القديم الخالد ..
ها هنا أقرب ما نكون إلى الله ,
هي حجارة كذلك , لكن شتان بينها وبين ما قبلها ,,
هنا حجارة الخير , وهناك حجارة الشر ..
تخلص من شرّك واقترب لمصدر الخير ..

حقاً تخيلت كرة الينج يانج الصينية ,, لكنها بنصفين بيض ..

——————

من الأمور الشاقة التي أتعبتني بالحج ,
واتفقنا عليها – أنا والبراء ومهند – هو الإحرام ,,
فعل العبودية ..
هنا تشعر نفسك حقا عبدا ذليلا لله ..
تتذكر أنك لا تفعل كل هذا إلا لأنك عبد , عبد لله ,,
تعود كما خلقك ربّك , إلا من خرقتين بيضاوين ,,
وتترك لشعرك وأظافرك العنان , كما كنت طفلا ,
فأنت الآن بقلب طفل ,,
بعد أن تتأكد طفولة قلبك , أي بعد الطواف والرجم والوقوف بعرفة ,
يحق لك وقتها أن تعود كما كنت ,
فيحقّ لك أن تتحلل ..
وحتى التحلل تصرف عبوديّ , يذلّ به الإنسان لله ,
ويؤكد له طفولته , فهو قد حلق بعد ولادته ,
وها هو يحلق مجددا بعد ولادته الثانية ,,

——————

ثم نعود لمنى ,,
بعد أن تأكدت طفولتنا وفطرتنا بكل الأشكال ,,
بالرجم والطواف ,
والإحرام والتحللّ ..
وهناك يعيش الإنسان مع الناس ,
بعد أن تأكد من نفسه وقلبه وفطرته , يجب أن يرى غيره ,
في مجتمع القلوب النقيّة , والفطرة السليمة القديمة ,,
هنا يرى المسلم المسلمين ,
يرى أمّته وشعوبها ,
لا يراها فقط ,
بل يعيش معها , يعايشها , وينام معها ,, !
لتتحقق الأمة الواحدة , العابدة لرب واحد .. !

——————

كل ما ذكر هو من الجانب الخارجي ,
أما من الجانب الداخلي فالنفسية تختلف ,
تختلف كثيرا في بداية الحج لنهايته ,
طول الحج كنت أشعر باضطراب , كما قالت لي آزاد ,,
يعني ما كنت حس هيك إلا كل حين ومين ، هلأ خلال 5 أيام تقلبت يمكن 10 مرات ” ,
كم أحبّ صراحتك يا آزاد , وكم أحبّكِ ,,
نعم ,
تقلبت كثيرا خلال الحج , وشعرت بهذا ,
أفقت كثيراً , فكّرت كثيرا كثيراً ,
وإلّا ,
فما فائدة رحلة الحج ما لم تكن رحلة حكمة وعودة للذات الحقيقة ؟

——————

في طريق العودة , في نهاية الأوديسّة ,
ليستيقظ الإنسان ويجد أن كل شيء قد انتهى ,
يقف ليفكر , ليقيّم , وليستوعب ما حصل ..
وهنا يكون التعب الحقيقي ..
كل شيء قد انتهى , والحياة بعد هذا الصخب الرائع ستعود للروتين القاتل ..
سينام كالإنسان الطبيعي 7 ساعات بالليل , وسيأكل ثلاث وجبات طبيعية , وسيذهب للجامعة كما كان قبل الحج .. !

لكنه في النهاية يعود ..
ليس كما كان ,
يعود ليعيش بقلب جديد , وفطرة جديدة ,
يعود ليجد في استقباله ,
قلوبهم ,,

ودفّاتها , !

——————

* الأوديسة من أكبر ملاحم التاريخ , وأصبحت تطلق على كل من يسير في رحلة طويلة مؤثرة